ابن رضوان المالقي
222
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
المدرسة العظيمة التي لم يعد في البلاد أوسع مساحة منها ولا أحفل بناء يخيل لمن يتطوف بها « 58 » أنها بلد مستقل بذاته ، بإزائها الحمام ، وغير ذلك من المرافق « 59 » . وممن له في المآثر المخلدة اليد العليا والفوز بأكبر مساعي البر المتكفلة بالحسنى الوزير جمال الدين ، وهو أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الملقب جمال الدين المعروف بالجواد الأصبهاني ، ولا يدعى إلا جمال الدين الجواد ، وزير صاحب الموصل ، فقد ثبت له من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات اللّه ، المشيدة ، ما لم يسبقه إليه أحد من أكابر الخلفاء وفضلاء « 60 » الوزارة . تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم اللّه سبحانه وحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من خمسة عشر عاما ، لم يزل فيها باذلا أموالا لا تحصى في بناء رباع بمكة ، مسبلة في طرق الخير والبر مؤيدة محبسة ، واختطاط صهاريج الماء ، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر ، إلى تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين . وكان من أشرف أعماله أن جلب الماء إلى عرفات ، وقاطع عليه العرب بني شيبة ، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء ، بوظيفة من المال كبيرة على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج « 61 » . فلما توفي الرجل رضي اللّه عنه ، عادوا إلى عادتهم الذميمة من قطعه . ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم تحت سورين عتيقين ، أنفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة ، ومن أعجب ما وفقه اللّه إليه أنه جدد أبواب الحرم كلها ، وجدد باب الكعبة المقدسة ، وغشاه فضة مذهبة وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب أبريز . وأخذ الباب القديم ، وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه . فلما حانت وفاته ، أمر بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج به ميتا ، فدفن بالموصل دون السنة ، وبعد ذلك سيق إلى عرفات ، ووقف به على بعير ، وكشف عن التابوت فلما أفاض الناس ، أفيض به وقضيت له المناسك كلها ، وطيف به طواف الإفاضة . وكان الرجل رحمه اللّه لم يحج في حياته . ثم حمل إلى مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وله فيها الآثار الكريمة . فكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم ، وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة
--> ( 58 ) ا ، ب ، ج ، د ، ك : عليها ( 59 ) وفيات ج 4 ص 24 ج 7 ص 206 ( 60 ) ا ، ب ، ق : والفضلاء ( 61 ) د : الحجاج